الشيخ المحمودي

348

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

المعونة على نفسها مثل الذي بالشمس للابصار ، على استثباتها والاستبانة لها ، فمن صح بصر نفسه ، ثم وصل بما صح منه إلى ما يرد عليه من الحكمة ، أو رابه شئ من الأمور ثم يمنعه ما فاته منها ان يسمى حكيما ، ويلحقه ما ظفر به بالحكماء ، كما لا يمنع البصر ما فاته من المبصرات من أن يدعى بصيرا ويلحقه بالبصراء ، فإذا صح لك من عقلك ما تعرف به وجوه الحكمة ، وترغب به في الخير ، وتميز بينه وبين الشر ، فليس بشهادة الناس ولا بما يسمونه حكمة تكون حكيما ، ولا بعقولهم تعد من العقلاء ، ولا بسائر ما يثنون عليهم من ودهم ونصائحهم تكون فاضلا ، وإنما الناس رجلان : رجل لا خير فيه ، جاهل بحقيقة الحكمة ، فليس ملتفتا إليه ، ورجل من أهل الحكمة لا يمنعك مما سهل الله لك به سبيل الخير ، بل يبذله لك ، لأنه ليس يباع بثمن ، ولا يمنع من طالب ، ولا يكتتم كاكتتام الذنوب ، واعلم أن العقل متوجه أينما وجه ، وله غناء أينما صرف ، وبعض مصارفه أنفع من بعض ، فإذا صرف إلى الدين أحكمه وتفقه فيه ، وإذا صرف إلى الدنيا أغني بها واحتال فيها فليس مستودعا شيئا الا حفظه ، ولا مصبوغا بصبغ الا قبله ، ولا محملا رشدا ولاغيا الا تحمله ، فإياك ان تعدله عن رشد ، أو تصرفه إلى غي عامدا أو مخطئا ، فإنك لست محكما به شيئا من أمر دنياك الا أضعت به أكثر منه من امر دينك ، ولا حافظا به شيئا من الأدب غير النافع الا أضعت به أكثر منه من نافع الأدب ، غير انك تجمع إلى ضياع العناية بما لا ينفع استيجاب التبعة فيما أضعت ، وليس شئ من امر الدنيا صرفت إليه عقلك فاحكمته الا سيعود محكمه عن وشيك ضائعا ، وصالحه فاسدا لا يصحبك شئ منه في آخرتك ، ولا يوثق ببقائه لك في دنياك ، وإنما وهن امر صاحب الدنيا وبطل سعيه ، لأنه بنى في غيره داره ، وغرس في غير أرضه ، فلم يكن له - حين جاء من يشخصه - الا ان ينقضه ويدعه لغيره ، ومن أخطاه العقل ظهر